الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

24

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

ثم يتوسع فيه فيطلق على إلهام اللّه تعالى المخلوقات لما تتطلبه مما فيه صلاحها كقوله : وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً [ النحل : 68 ] أي جبلها على إدراك ذلك وتطلّبه ، ويطلق على تسخير اللّه تعالى بعض مخلوقاته لقبول أثر قدرته كقوله : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [ الزلزلة : 1 ] إلى قوله : بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها [ الزلزلة : 5 ] . والوحي في السماء يقع على جميع هذه المعاني من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازاته ، فهو أوحى في السماوات بتقادير نظم جاذبيتها ، وتقادير سير كواكبها ، وأوحى فيها بخلق الملائكة فيها ، وأوحى إلى الملائكة بما يتلقونه من الأمر بما يعملون ، قال تعالى : وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ [ الأنبياء : 27 ] وقال : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [ الأنبياء : 20 ] . و أَمْرَها بمعنى شأنها ، وهو يصدق بكل ما هو من ملابساتها من سكانها وكواكبها وتماسك جرمها والجاذبية بينها وبين ما يجاورها . وذلك مقابل قوله في خلق الأرض وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [ فصلت : 10 ] . وانتصب أَمْرَها على نزع الخافض ، أي بأمرها أو على تضمين أوحى معنى قدّر أو أودع . ووقع الالتفات من طريق الغيبة إلى طريق التكلم في قوله : وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ تجديدا لنشاط السامعين لطول استعمال طريق الغيبة ابتداء من قوله : بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] مع إظهار العناية بتخصيص هذا الصنع الذي ينفع الناس دينا ودنيا وهو خلق النجوم الدقيقة والشهب بتخصيصه بالذكر من بين عموم وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ، فما السماء الدنيا إلا من جملة السماوات ، وما النجوم والشّهب إلا من جملة أمرها . والمصابيح : جمع مصباح ، وهو ما يوقد بالنار في الزيت للإضاءة وهو مشتق من الصباح لأنهم يحاولون أن يجعلوه خلفا عن الصباح . والمراد بالمصابيح : النجوم ، استعير لها المصابيح لما يبدو من نورها . وانتصب حِفْظاً على أنه مفعول لأجله لفعل محذوف دل عليه فعل زَيَّنَّا . والتقدير : وجعلناها حفظا . والمراد : حفظا للسماء من الشياطين المسترقة للسمع . وتقدم الكلام على نظيره في سورة الصّافات .